مجرّة تكاد تخلو من النجوم
في الصورة القياسية للكون، تفوق كتل المادة المظلمة الصغيرة الكتلَ الكبيرة عددًا بفارق هائل، ويُعتقد أن تكوّن النجوم يُخنق في أصغرها. ولا بد أن يوجد في مكان ما حدّ للكتلة لا تضيء الهالة دونه أبدًا. وإن صحّ ذلك، فلا بد أن يحتوي الكون على مجرّات مظلمة: هالات تضم هيدروجينًا متعادلًا، يمكن رصده عبر خطه الراديوي عند 21 سم، لكن فيها نجوم قليلة أو لا نجوم على الإطلاق.
والبحث عنها محفوف بالمزالق. فقد يتبيّن أن لمرشّحٍ ما نجومًا باهتة فاتت الصورَ السابقة، وهذا ما حدث لـ FAST J0139+4328 الذي أُعيد تصنيفه مجرّةً قزمة خافتة حين وصلت صور أعمق. كما تعاني التلسكوبات الراديوية من التداخل: إذ يمكن لإشارات شاردة أن تحاكي مصدرًا خافتًا، بل اضطر أحد المسوح إلى استبعاد بيانات النهار بسبب الشمس. وأضمن اختبار هو رؤية الإشارة نفسها بتلسكوبين مستقلين، في موقعين مختلفين، بمستقبِلات مختلفة.
تلسكوبان وإشارة واحدة
هذا بالضبط ما فعله ماركو موناتشي ودنكان فوربس ووارويك كوتش وجين برودي في جامعة سوينبرن للتكنولوجيا في أستراليا. فقد أخذوا 142 مرشّحًا لمجرّة مظلمة من مسح ALFALFA الذي أُجري بالتلسكوب الراديوي في أريسيبو، وبحثوا عنها في FASHI، وهو مسح السماء كاملةً الذي أجراه التلسكوب الصيني FAST بقطر 500 متر. فتطابق ثلاثة عشر منها. وبعد استبعاد تلك القريبة من مجرّات ساطعة، وتلك التي لها نظير بصري محتمل، وتلك التي يتعذّر التحقق منها، بقي واحد: AGC 322753.

خط الهيدروجين لـ AGC 322753 كما رصده ALFALFA وFASHI: السرعة نفسها، والشكل ثنائي القمة نفسه، وهو بصمة الدوران. — الشكل 1، موناتشي وآخرون (2026)، arXiv:2609.39152.
ويتوافق الرصدان توافقًا وثيقًا: سرعة ابتعاد تبلغ نحو 6,965 كم/ث، وعرض خط يبلغ 85 كم/ث، وكتلة هيدروجين تقارب ملياري كتلة شمسية. وما دام المصدر قد رُصد بجهازين في وقتين مختلفين، فلا يمكن أن يكون تداخلًا. ولخطه قمّتان، وهي العلامة الكلاسيكية لقرص من الغاز يدور دورانًا منتظمًا.
البحث عن النجوم المفقودة
لا يحدد كل تلسكوب راديوي موقع المصدر إلا ضمن حزمة يبلغ عرضها بضع دقائق قوسية. لكن الحزمتين تتداخلان، ومنطقة التداخل تضيّق نطاق البحث. وفي صور DESI Legacy Survey التي تبلغ نحو 27.5 قدرًا لكل ثانية قوسية مربعة، وكذلك في SDSS وPan-STARRS وGALEX وWISE، لا يظهر شيء هناك. أما الجرم الذي ربطه فهرس FASHI بالمصدر، فهو بحسب فهرس غايا (Gaia) نجم من مجرّتنا نفسها؛ والمجرّة الوحيدة الواضحة في الحقل تقع بعيدًا جدًا في الخلفية.

حزمتا أريسيبو (بخط متقطع) وFAST (بخط متصل)؛ ومنطقة تداخلهما، المكبَّرة باللون الأحمر، هي المكان الأرجح لوجود أي نجوم. والأجرام المؤشَّر إليها نجوم في المقدمة أو مجرّات في الخلفية. — الشكل 2، موناتشي وآخرون (2026)، arXiv:2609.39152.
ولتحويل “لا شيء” إلى رقم، زرع الفريق مجرّات وهمية في الصور وتحقق من أيّها لا يزال مرئيًا. والنتيجة: لا تتجاوز كتلة أي نجوم محتملة نحو 50 مليون كتلة شمسية، فتفوق كتلة الهيدروجين كتلة النجوم بنسبة 40 إلى 1 على الأقل. أما مجرّة قزمة خافتة ظُنَّ يومًا أنها مظلمة، فتبلغ نسبتها نحو 11.5.
أثقل من أن تكون مظلمة تمامًا
لا ينطبق AGC 322753 على أبسط الأجرام المظلمة التي تتنبأ بها النظرية، وهي سحب هيدروجين صغيرة غير دوّارة لا تتجاوز 3 ملايين كتلة شمسية. كما أنه أثقل من أي مجرّة خالية تمامًا من النجوم تنتجها المحاكاة الحالية. ولذلك يرجّح المؤلفون أنه ليس مظلمًا تمامًا، بل يضم نثارًا من النجوم أخفت من أن تلتقطه صور اليوم.
ويقرّون بأنه قد يكون مع ذلك سحابة انتُزعت من مجرّات مجاورة، وإن كانت أقربها تقع على مسافة 290 و330 كيلوفرسخ فلكي في الإسقاط، والغاز يدور كقرص. وستحسم خريطة راديوية مفصّلة، من مصفوفة هوائيات مثل VLA، وصورٌ أعمق في نطاقات متعددة، نوعَ الجرم القابع في تلك البقعة الخالية من السماء.
